فصل: تفسير الآية رقم (16)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَدْ خَابَ مَن دساها‏}‏ وتكرير قد فيه لإبراز الاعتناء بتحقيق مضمونه والإيذان بتعلق القسم به أصالة والتزكية التنمية والتدسية الإخفاء وأصل دسى دسس فأبدل من ثالث التماثلات ياء ثم أبدلت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وأطلق بعضهم فقال ابدل من ذلك حرف علة كما قالوافي تقضض تقضي ودسس مبالغة في دس بمعنى أخفى قال الشاعر‏:‏ ودسست عمراً في التراب فأصبحت *** حلائله منه أرامل ضيعا

وفي «الكشاف» التزكية الإنماء والإعلاء والتدسية النقص والإخفاء أي لقد فاز بكل مطلوب ونجا من كل مكروه من أنمى نفسه وأعلاها بالتقوى علماً وعملاً ولقد خسر من نقصها وأخفاها بالفجور جهلاً وفسوقاً وجوز أن تفسر التزكية بالتطهير من دنس الهيولى والتدسية بالإخفاء فيه والتلوث به وأياً ما كان ففي الوعد والوعيد المذكورين مع إقسامه تعالى عليهما بما أقسم به مما يدل على العلم بوجوده تعالى ووجوب ذاته سبحانه وكمال صفاته عز وجل ويذكر عظائم آلائه وجلائله نعمائه جل وعلا من اللطف بعباده ما لا يخفى وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا‏}‏ استئناف وارد لتقرير مضمون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَابَ مَن دساها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 10‏]‏ وجعل الزمخشري قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ‏}‏ الخ تابعاً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَلْهَمَهَا‏}‏ الخ على سبيل الاستطراد وأبى أن يكون جواب القسم وجعل الجواب محذوفاً مدلولاً عليه بهذا كأنه قيل ليدمدمن الله تعالى على كفار مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً عليه السلام فقيل إن ذلك لما يلزم من حذف اللام وأنه لا يليق بالنظم المعجز أن يجعل أدنى الكمالين أعني التزكية لاختصاصها بالقوة العملية المقصود بالإقسام ويعرض عن أعلاهما أعني التحلية بالعقائد اليقينية التي هي لب الألباب وزبدة ما مخضته الأحقاب ولو سلم عدم الاختصاص فهي مقدمة التحلية في البابين وأما حذف المقسم عليه فكثير شائع لا سيما في الكتاب العزيز وتعقب بأن حذف اللام كثير لا سيما مع الطول وهو أسهل من حذف الجملة بتمامها وقد ذكره في ‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏ ‏[‏المرمنون‏:‏ 1‏]‏ فما حدا مما بدأ وأن التزكية مراداً بها الإنماء لا اختصاص لها وليست مقدمة بل مقصودة بالذات ولو سلم فلا مانع من الاعتناء ببعض المقدمات أحياناً لتوقف المقاصد عليها فتدبر وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال في فألهما ألزمها وأخرجه الديلمي عن أنس مرفوعاً وعلى ذلك قال الواحدي وصاحب المطلع الإلهام أن يوقع في القلب التوفيق والخذلان فإذا أوقع سبحانه في قلب عبد شيئاً منهما فقد ألزمه سبحانه ذلك الشيء ويزيد ذلك قوة ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين أن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال عليه الصلاة والسلام لا بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 7، 8‏]‏ ولا يقتضي ذلك أن لا يكون لقدرة العبد واختياره مدخل في الفجور والتقوى بالكلية وإن قيل أن مآله إلى خلق الله تعالى إياهما ليقال يأباه حينئذٍ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 9‏]‏ الخ حيث جعل فيه العبد فاعل التزكية بالتقوى والتدسية بالفجور لأن الإسناد يقتضي قيام المسند ويكفي فيه المدخلية المذكورة ولا يتوقف صحة الإسناد حقيقة إلى العبد على كون فعله الإيجاد فالاستدلال بهذا الإسناد على كونه متمكناً من اختيار ما شاء من الفجور والتقوى وإيجاده إياه بقدرة مستقلة فيه على خلاف ما يقوله الجماعة ليس بشيء على أن الضمير المستتر في زكاها وكذا في دساها الله عز وجل والبارز لمن بتأويل النفس فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في ذلك يقول الله تعالى‏:‏ قد أفلح من زكى الله تعالى نفسه فهداه وقد خاب من دسى الله تعالى نفسه فأضله بل أخرج عنه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏ الآية أفلحت نفس زكاها الله تعالى وخابت نفس خيبها الله تعالى من كل خير وأخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

‏"‏ اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ‏"‏ وفي رواية الطبراني وغيره عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام إذا تلا هذه الآية وقف وقال ذلك ولهذه الأخبار ونحوها قال بعضهم‏:‏ إن ذلك هو المرجح ورجحه صاحب الانتصاف بأن الضمائر في ‏{‏والسماء وما بناها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 5‏]‏ الخ تكون عليه متسقة عائدة كلها إلى الله تعالى وبأن قوله تعالى ‏{‏قد أفلح من تزكى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 14‏]‏ أوفق به لأن تزكي مطاوع زكي فيكون المعنى قد أفلح من زكاه الله تعالى فتزكى ومع هذا كله لا ينبغي أن ينكر أن المعنى السابق هو السابق إلى الذهن وما ذكر من الأخبار ليس نصاً في تعيين المعنى الآخر نعم هو نص في تكذيب الزمخشري في زعمه أنه من تعكيس القدرية يعني بهم أهل السنة والجماعة فتأمل‏.‏ والطغوي مصدر من الطغيان بمعنى تجاوز الحد في العصيان فصلوا بين الاسم والصفة في فعلي من بنات الياء بأن قلبوا الياء واواً في الاسم وتركوا القلب في الصفة فقالوا في الصفة امرأة صديا وخزيا وفي الاسم تقوى وطغوى كذا في «الكشاف» وغيره وكلام الراغب يدل على أن طغى واوي ويائي حيث قال يقال‏:‏ طغوت وطغيت طغواناً وطغياناً فلا تغفل‏.‏ والباء عند الجمهور للسببية أي فعلت التكذيب بسبب طغيانها كما تقول ظلمني الخبيث بجرائته على الله تعالى وجعلها الزمخشري للاستعانة والأمر سهل وجوز أن تكون صلة للتكذيب على معنى كذبت بما أوعدت به في لسان نبيها من العذاب ذي الطغوى أي التجاوز عن الحد والزيادة ويوصف العذاب بالطغيان بهذا المعنى كما في وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأُهْلِكُواْ بالطاغية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 5‏]‏ وقد يوصف بالطغوى مبالغة كما يوصف بسائر المصادر لذلك فلا يكون هناك مضاف محذوف‏.‏ وقرأ الحسن ومحمد بن كعب وحماد بن سلمة طغواها بضم الطاء وهو مصدر أيضاً كالرجعى والحسنى في المصادر إلا أنه قيل كان القياس الطغيا كالسقيا لأن فعلى بالضم لا يفرق فيه بين الاسم والصفة كأنهم شذوا فيه فقلبوا الياء واواً وأنت تعلم أن الواو عند من يقول طغوت أصلية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏إِذِ انبعث‏}‏ متعلق بكذبت أو بطغوى وانبعث مطاوع بعثه بمعنى أرسله والمراد إذ ذهب لعقر الناقة ‏{‏أشقاها‏}‏ أي أشقى ثمود وهو قدار بن سالف أو هو ومن تصدى معه لعقرها من الأشقياء اثنان على ما قال الفراء أو أكثر فإن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة يصلح للواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث وفضل شقاوتهم على من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به ولخبائث غير ذلك يعلمها الله تعالى فيهم هي فوق خبائث من عداهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏فَقَالَ لَهُمُ‏}‏ أي لثمود أو لأشقاها على ما قيل بناءً أن المراد به جمع ولا يأباه وسقياها كما لا يخفى ‏{‏رَسُولِ الله‏}‏ هو صالح عليه السلام وعبر عنه بعنوان الرسالة إيذاناً بوجوب طاعته وبياناً لغاية عتوهم وتماديهم في الطغيان وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏نَاقَةُ الله‏}‏ وهو نصب على التحذير وشرطه ليس تكرير المحذر منه أو كونه محذراً بما بعده فقط ليقال هو منصوب بتقدير ذروا أو احذروا لا على التحذير بل شرطه ذاك أو العطف عليه كما هنا على ما نص عليه مكي والكلام على حذف مضاف أي احذروا عقر ناقة الله أو المعنى على ذلك وإن لم يقدر في نظم الكلام وجوز أن يكون التقدير عظموا أو الزموا ناقة الله وليس بشيء ‏{‏وسقياها‏}‏ أي واحذروا سقياها فلا تتعرضوا بمنعها عنها في نوبتها ولا تستأثروا بها عليها وقيل الواو للمعية والمراد ذروا ناقة الله مع سقياها ولا تحولوا بينهما وهو كما ترى وقرأ زيد بن علي ناقة الله بالرفع فقيل أي همكم ناقة الله وسقياها فلا تعقروها ولا تستأثروا بالسقيا عليها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏فَكَذَّبُوهُ‏}‏ أي في وعيده إياهم كما حكي عنه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 73‏]‏ فالتكذيب لخبر مقدر ويجوز أن يكون لخبر تضمنه الأمر التحذيري السابق وهو الخبر بحلول العذاب أن فعلوا ما حذرهم منه وقيل إن ما قاله لهم من الأمر قاله ناقلاً له عن الله تعالى كما يؤذن بذلك التعبير عنه عليه السلام بعنوان الرسالة ومآل ذلك أنه قال لهم‏:‏ إنه قال الله تعالى ناقة الله وسقياها فالتكذيب لذلك وهو وجه لا بأس به ‏{‏فَعَقَرُوهَا‏}‏ أي فنحروها أو فقتلوها وضمير الجمع للأشقى وجمعه على تقدير وحدته لرضا الكل بفعله قال قتادة بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم ‏{‏فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ‏}‏ فأطبق عليهم العذاب وقالوا دمدم عليه القبر أي أطبقه وهو مما تكرر فيه الفاء فوزنه فعفل لا فعلل من قولهم ناقة مدمومة إذا لبسها الشحم وغطاها وقال في «القاموس» معناه أتم العذاب عليهم وقال مؤرج الدمدمة إهلاك باستئصال وفي الصحاح دمدمت الشيء ألزقته بالأرض وطحطحته وقرأ ابن الزبير فدهدم بهاء بين الدالين والمعنى كما تقدم ‏{‏بِذَنبِهِمْ‏}‏ بسبب ذنبهم المحكي والتصريح بذلك مع دلالة الفاء عليه للإنذار بعاقبة الذنب ليعتبر به كل مذنب ‏{‏فَسَوَّاهَا‏}‏ الضمير للدمدمة المفهومة من دمدم أي فجعل الدمدمة سواء بينهم أو جعلها عليهم سواء فلم يفلت سبحانه منهم أحداً لا صغيراً ولا كبيراً أو هو لثمود والتأنيث باعتبار القبيلة كما في طغواها وأشقاها والمعنى ما ذكر أيضاً أو فسواها بالأرض‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ يَخَافُ‏}‏ أي الرب عز وجل ‏{‏عقباها‏}‏ أي عاقبتها وتبعتها كما يخاف المعاقبون من الملوك عاقبة ما يفعلونه وتبعته وهو استعارة تمثيلية لأهانتهم وأنهم أذلاء عند الله جل جلاله والواو للحال أو للاستئناف وجوز أن يكون ضمير لا يخاف للرسول والواو للاستئناف لا غير على ما هو الظاهر أي ولا يخاف الرسول عقبى هذه الفعلة بهم إذ كان قد أنذرهم وحذرهم وقال السدي والضحاك ومقاتل والزجاج وأبو علي الواو للحال والضمير عائد على أشقاها أي انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله لكفره وطغيانه وهو أبعد مما قبله بكثير وقرأ أبي والأعرج ونافع وابن عامر فلا يخاف بالفاء وقرىء ولم يخف بواو وفعل مجزوم بلم هذا واختلف في هؤلاء القوم هل آمنوا ثم كفروا أو لم يؤمنوا أصلاً فالجمهور على الثاني وذهب بعض إلى أنهم آمنوا وبايعوا صالحاً مدة ثم كذبوه وكفروا فأهلكوا بما فصل في موضع آخر وقال الشيخ الأكبر محيي الدين قدس سره في فصوصه أنهم وقوم لوط عليه السلام لا نجاة لهم يوم القيامة بوجه من الوجوه ولم يساو غيرهم من الأمم المكذبة المهلكة في الدنيا كقوم نوح عليه السلام بهم ولكلامه قدس سره أهل يفهمونه فارجع إليهم في فهمه إن وجدتهم‏.‏

وذكر بعض أهل التأويل أن الشمس إشارة إلى ذات واجب الوجود سبحانه وتعالى وضحاها إشارة إلى الحقيقة المحمدية والقمر إشارة إلى ماهية الممكن المستفيدة للوجود من شمس الذات والنهار إشارة إلى العالم بسائر أنواعه الذي ظهرت به صفات جمال الذات وجلاله وكماله والليل إشارة إلى وجود ما يشاهد من أنواع الممكنات الساتر في أعين المحجوبين للوجود الحق والسماء إشارة إلى عالم العقل والأرض إشارة إلى عالم الجسم والنفس معلومة وناقة الله إشارة إلى راحلة الشوق الموصلة إليه سبحانه وسقياها إشارة إلى مشربها من عين الذكر والفكر وقال بعض آخر الشمس إشارة إلى الوجود الحق الذي هو عين الواجب تعالى فهو أظهر من الشمس ‏{‏الله نور السموات والأرض‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 35‏]‏ وقال شيخ مشايخنا البندنيجي قدس سره‏.‏ ظاهر أنت ولكن لا ترى *** لعيون حجبتها النقط

وضحاها إشارة إلى أول التعينات بأي اسم سميته والقمر إشارة إلى الأعيان الثابتة المفاضة بالفيض الأقدس أو الشمس إشارة إلى الذات وضحاها إشارة إلى وجودها والإضافة للتغاير الاعتباري والقمر إشارة إلى أول التعينات والنهار إشارة إلى الممكنات المفاضة بالفيض المقدس والليل إشارة إليها أيضاً باعتبار نظر المحجوبين أو النهار إشارة إلى صفة الجمال والليل إشارة إلى صفة القهر والجلال والسماء إشارة إلى عالم اللطافة وذكر النفس بعد مع دخولها في هذا العالم للاعتناء بشأنها والأرض إشارة إلى عالم الكثافة وناقة الله إشارة إلى الطريقة وسقياها مشربها من عين الشريعة وقيل غير ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل‏.‏

‏[‏سورة الليل‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏واليل إِذَا يغشى‏}‏ أي حين يغشى الشمس كقوله تعالى ‏{‏والليل إذا يغشاها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 4‏]‏ أو النهار كقوله تعالى ‏{‏يغشى الليل النهار‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 54‏]‏ أو كل ما يواريه في الجملة بظلامه والمقسم به في الأوجه الثلاث الليل كله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏والنهار إِذَا تجلى‏}‏ ظهر بزوال ظلمة الليل أو تبين وانكشف بطلوع الشمس والأول على تقدير كون المغشى النهار أو كل ما يواري إذ مآلهما اعتبار وجود الظلام والثاني على تقدير كونه الشمس إذ ما له اعتبار غروبها فيحسن التقابل بين القرينتين على ذلك واختلاف الفعليه مضيا واستقبالاً قد تقدم الكلام فيه وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير تتجلى بتائين على أن الضمير للشمس وقرىء تجلى بضم التاء وسكون الجيم على أن الضمير لها أيضاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى‏}‏ أي والقادر العظيم القدرة الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من الحيوان المتصف بذلك وقيل من بني آدم وقال ابن عباس والحسن والكلبي المراد بالذكر آدم عليه السلام وبالأنثى حواء رضي الله تعالى عنها وأيَّا ما كان فما موصولة بمعنى من واو ثرت عليها لإرادة الوصفية على ما سمعت وتحتمل المصدرية وليس بذاك وقرىء والذي خلق وقرأ ابن مسعود والذكر والأنثى وتبعه ابن عباس كما أخرج ذلك ابن انلجار في تاريخ بغداد من طريق الضحاك عنه ونسبت لعلي كرم الله تعالى وجهه وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن علقمة أنه قدم الشام فجلس إلى أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه فقال له أبو الدرداء فمن أنت فقال من أهل الكوفة قال كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ والليل إذا يغشى قال علقمة والذكر والأنثى فقال أبو الدرداء أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا وهؤلاء يريدوني على أن أقرأ وما خلق الذكر والأنثى والله لا أتابعهم وأنت تعلم أن هذه قراءة شاذة منقولة آحاداً لا تجوز القراءة بها لكنها بالنسبة إلى من سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام في حكم المتواترة تجوز قراءته بها وذكر ثعلب أن من السلف من قرأ وما خلق الذكر بجر الراء وحكاها الزمخشري عن الكسائي وخرجوا ذلك على البدل من ما بمعنى وما خلقه الله أي ومخلوق الله الذكر والأنثى قيل وقد يخرج على توهم المصدر بناء على مصدرية ما أي وخلق الذكر والأنثى كما في قوله‏:‏ تطوف العفاة بأبوابه *** كما طاف بالبيعة الراهب

بجر الراهب على توهم النطق بالمصدر أي كطواف الراهب بالبيعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ سَعْيَكُمْ‏}‏ أي مساعيكم فإن المصدر المضاف يفيد العموم فيكون جمعاً معنى ولذا أخبر عنه بجمع أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لشتى‏}‏ فإنه جمع شتيت بمعنى متفرق ويجوز أن لا يعتبر سعيكم في معنى الجمع ويكون شتى مصدراً مؤنثاً كذكرى وبشرى خبراً له بتقدير مضاف أي ذو شتى أو بتأويله بالوصف أي شتيت أو بجعلها عين الافتراق مبالغة وأيَّا ما كان فالجملة جواب القسم كما أخرجه ابن جرير عن قتادة وجوز أن يكون الجواب مقدراً كما مر غير مرة والمراد بتفرق المساعي اختلافها في الجزاء وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5 - 6‏]‏

‏{‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ‏(‏5‏)‏ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى‏}‏ الخ تفصيل مبين لتفرقها واختلافها في ذلك وجوز أن يراد باختلافها كون البعض طالباً لليوم المتجلي والبعض طالباً لليل الغاشي وبعضها مستعاناً بالذكر وبعضها مستعاناً بالأنثى فيكون الجواب شديد المناسبة بالقسم ولا يخفى بعده وركاكته والظاهر أن المراد بالإعطاء بذل المال ومن هنا قال ابن زيد المراد إنفاق ماله في سبيل الله تعالى وقال قتادة المعنى أعطى حق الله تعالى وظاهره الحقوق المالية ‏{‏واتقى‏}‏ أي واتق الله عز وجل كما قال ابن عباس وفي معناه قول قتادة واتقى ما نهى عنه وفي رواية محارم الله تعالى وقال مجاهد واتقي البخل وهو كما ترى ‏{‏وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏ أي بالكلمة الحسنى وهي كما قال أبو عبد الرحمن السلمي وغيره وروي ذلك عن ابن عباس لا إله إلا الله أو هي ما دلت على حق كما قال بعضهم وتدخل كلمة التوحيد دخولاً أولياً أو بالمالة الحسنى وهي ملة الإسلام وقال عكرمة وجماعة وروي عن ابن عباس أيضاً هي المثوبة بالخلف في الدنيا مع المضاعفة وقال مجاهد الجنة وقيل المثوبة مطلقاً ويترجح عندي أن الإعطاء إشارة إلى العبادة المالية والاتفاء إشارة إلى ما يشمل سائر العبادات من فعل الحسنات وترك السيآت مطلقاً والتصديق بالحسنى إشارة إلى الإيمان بالتوحيد أو بما يعمه وغيره مما يجب الإيمان به وهو تفصيل شامل للمساعي كلها وتقديم الإعطاء لما أنه سبب النزول ظاهراً فقد أخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قال أبو قحافة لأبي بكر رضي الله تعالى عنه أراك تعتق رقابا ضعافاً فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقيمون دونك فقال يا أبه إنما أريد ما أريد فنزلت فأما من أعطى واتقى إلي ‏{‏وما لأحد عنده من نعمة تجزي‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 5-19‏]‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود قال أن أبا بكر اشترى بلالاً من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق فاعتقه فأنزل الله تعالى والليل إذا يغشى إلى قوله سبحانه ‏{‏أن سعيكم لشتى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 1-4‏]‏ وكذا على القول بأنها نزلت في أبي الدحداح ولما كان الإيمان أمراً معتنى به في نفسه أخر عن الاتقاء ليكون ذكره بعده من باب ذكر الخاص بعد العام مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة وقيل المراد أعطي الطاعة واتتقي المعصية وصدق بالكلمة الدالة على الحق ككلمة الوتحيد وفيه أن المعروف في الإعطاء تعلقه بالمال خصوصاً وقد وقع في مقابلة ذكر البخل والمال وأمر تأخير الإيمان عليه بحاله وقيل آخر لأن من جملة إعطاء الطاعة الإصغاء لتعلم كلمة التوحيد التي لا يتم الإيمان إلا بها ومن جملة الاتقاء الاتقاء عن الإشراك وهما مقدمان على ذلك وليس بشيء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى‏}‏ فسنهيئه للخصلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة ومباديه من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها ووصفها باليسرى إما على الاستعارة المصرحة أو المجاز المرسل أو التجوز في الإسناد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ‏(‏8‏)‏‏}‏

وَأَمَّا مَنْ يَخْلُ‏}‏ بما له فلم يبذله في سبيل الخير وقيل أي بخل بفعل ما أمر به وفيه ما فيه ‏{‏واستغنى‏}‏ أي وزهد فيما عنده عز وجل كأنه مستغن عنه سبحانه فلم يتقه جل وعلا أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى لأنه في مقابلة ‏{‏واتقى‏}‏ كما أن قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏أَحْسَنُواْ بالحسنى‏}‏ في مقابلة ‏{‏وصدق بالحسنى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 6‏]‏ والمراد بالحسنى فيه ما مر في الأقوال قبل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى‏}‏ أي للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار ومباديه ووصفها بالعسرى على نحو ما ذكر وأصل التيسير من اليسر بمعنى السهولة لكن أريد التهيئة والإعداد للأمر أعني ما يفضي إلى راحة وما يفضي إلى شدة والسين في سنيسره قيل للتأكيد وقيل للدلالة على أن لحزاء الموعود معظمة يكون في الآخرة التي هي أمر منتظر متراخ وتقديم البخل فالاستغناء فالتكذيب يعلم وجهه مما تقدم وفي الإرشاد لعل تصدير القسمين بالإعطاء والبخل مع أن كلا منهما أدنى رتبة مما بعد في استتباع التيسير لليسرى والتعسير للعسرى للإيذان بأن كلاً منهما أصيل فيما ذكر لما بعدهما من التصديق والتقوى والتكذيب والاستغناء وقيل التيسير أولاً بمعنى اللطف وثانياً بمعنى الخذلان واليسرى والعسرى الطاعة لكونها أيسر شيء على المتقي وأعسره على غيره والمعنى أما من أعطى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة عليه أيسر الأمور وأهونها من قوله تعالى ‏{‏فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 125‏]‏ وأما من بخل الخ فسنخذله ونمنعه الالطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد من قوله تعالى ‏{‏يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 125‏]‏ وأصل هذا فسنيسره للطاعة العسرى ثم أريد ما ذكر على أن الوصف هو المقصود بتعلق التيسير أعني التعسير لا الموصوف أعني الطاعة ومع هذا إطلاق التيسير للعسرى مشاكلة وجوز أن يراد باليسرى طريق الجنة وبالعسرى طريق النار وبالتيسير في الموضعين معنى الهداية وهو في الآخرة وعدا ووعيدا وأمر المشاكلة فيه على حاله وجوز أن يراد بالتيسير التهيئة والإعداد واليسرى والعسرى الطاعة والمعصية ومباديهما من الصفات المحمودة والمذمومة وهو وجه حسن غير بعيد عن الأول وكلاهما حسن الطباق لما صح في الأخبار أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء ثم قرأ عليه الصلاة والسلام ‏{‏فأما من أعطى واتقى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 5‏]‏ الآيتين وكان حاصل ما أراده صلى الله عليه وسلم بقوله «اعملوا» الخ عليكم بشأن العبودية وما خلقتم لأجله وأمرتم به وكلوا أمور الربوبية المغيبة إلى صاحبها فلا عليكم بشأنها وأيَّاً ما كان فالمراد بمن أعطى الخ وبمن بخل الخ المتصف بعنوان الصلة مطلقاً وان كان السبب خاصاً إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب نعم هو قطعي الدخول وقيل من أعطى أبو بكر رضي الله تعالى عنه ومن بخل أمية بن خلف وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس أن الأول أبو بكر رضي الله تعالى عنه والثاني أبو سفيان بن حرب ونحوه عن عبد الله بن أبي أوفي وفي هذا انظر لأن أبا سفيان أسلم وقوى إسلامه في آخر أمره عند أهل السنة وفي رواية الطستي عنه أن ‏{‏وأما من بخل‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 8‏]‏ الخ نزل في أبي جهل ولعل كل ما قيل من التخصيص فهو من باب التنصيص على بعض أفراد العام لتحقق دخوله فيه عند من خصص‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ‏}‏ أي ولا يغنى عنه على أن ما نافية أو أي شيء يغنى عنه ماله الذي يبخل به على أنها استفهامية ‏{‏إِذَا تردى‏}‏ أي هلك تفعل من الردي وهو الهلاك قاله مجاهد وقيل تردي في حفرة القبر وقال قتادة وأبو صالح تردي في جهنم أي سقط وقال قوم ترى باكفانه من الرداء وهو كناية عن موته وهلاكه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ عَلَيْنَا للهدى‏}‏ استئناف مقرر لما قبله أي إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة حيث خلقنا الخلق للعبادة أي ندلهم ونرشدهم إلى الحق أو أن نبين لهم طريق الحدى وما يؤدي إليه من طريق الضلال وما يؤدي إليه وقد فعلنا ذلك بما لا مزيد عليه فلا يتم الاستدلال بالآية على الوجوب عليه عز وجل بالمعنى الذي يزعمه المعتزلة وقيل المراد أن الهدى موكول علينا لا على غيرنا كما قال سبحانه ‏{‏إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏ وليس المعنى أن الهدى يجب علينا حتى يكون بظاهره دليلاً على وجوب الأصلح عليه تعالى عن ذلك علواً كثيراً وفيه أن تعلق الجار بالكون الخاص أعني موكولاً خلاف الظاهر ومثله ما قيل أن المراد ثم أن علينا طريقة الهدى على معنى أن من سلك الطريقة المبينة بالهدى والإرشاد إليها يصل إلينا كما قيل في قوله تعالى ‏{‏وعلى الله قصد السبيل أي من سلك السبيل‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 9‏]‏ القصد أي المستقيم وصل إليه سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّ لَنَا لَلاْخِرَةَ والاولى‏}‏ أي التصرف الكلي فيهما كيفما نشاء فنفعل فيهما ما نشاء من الأفعال التي من جملتها ما ذكرنا فيمن أعطى وفيمن بخل أو أن لنا ذلك فنثيب من اهتدى وأنجع فيه هدانا أوان لنا كل ما في الدارين فلا يضرنا ترككم الاهتداء وعدم انتفاعكم بهدانا أو فلا ينفعنا اهتداؤكم كما لا يضرنا ضلالكم فمن اهتدى ‏{‏فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 108‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى‏}‏ قيل متفرع على كون الهدى عليه سبحانه أي فهديتكم بالإنذار وبالغت في هدايتكم وتلظى بمعنى تلتهب وأصله تتلظى بتاءين فحذفت منه إحداهما وقد قرأ بذلك ابن الزبير وزيد بن علي وطلحة وسفيان بن عيينة وعبيد بن عمير‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏لاَ يصلاها إِلاَّ الاشقى‏}‏ المراد به الكافر فإنه أشقى من الفاسق ويفصح بذلك وصفه بقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏الذى كَذَّبَ‏}‏ أي بالحق ‏{‏وتولى‏}‏ وأعرض عن الطاعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا‏}‏ أي سيبعد عنها ‏{‏الاتقى‏}‏ المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي فلا يحوم حولها واستشكل بأن صلى النار دخولها أو مقاساة حرها وهو لازم دخولها على المشهور فالحصر السابق يقتضي أن لا يصلي المؤمن العاصي النار لأنه ليس داخلاً في عموم الأشقى الموصوف بما ذكر وان سيجنبها الاتقى يقتضي بمفهومه أن غير الاتقى أعني التقى في الجملة وهو المؤمن العاصي لا يجنبها بل يصلاها فبين الحصرين مخالفة وأجيب بأن الصلى مطلق دخول النار ولا مطلق مقاساة حرها بل هو مقاساته على وجه الأشدية فقد نقل ابن المنير عن أئمة اللغة أن الصلى أن يحفروا حفيرة فيجمعوا فيها جمراً كثيراً ثم يعمدوا لي شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه فالمعنى لا يعذب بين أطباقها ولا يقاسي حرها على وجه الأشدية إلا الأشقى وسيعد عنها الاتقى فلا يدخلها فضلاً عن مقاساة ذلك فيلزم من الأول أن غير الأشقى وهو المؤمن العاصي لا يعذب بين أطباقها ولا يقاسي حرها على وجه الأشدية ولا يلزم منه أن لا يدخلها ولا يعذب بها أصلا فيجوز أن يدخلها ويعذب بها على وجهها عذاباً دون ذلك العذاب ويلزم من الثاني أن غير الاتقى لا يجنبها ولا يلزم منه أن غيره أعني التفي في الجملة وهو المؤمن العاصي يصلاها ويعذب بين أطباقها أشد العذاب بل غايته أنه لا يجنبها فيجوزو أن يدخلها ويعذب بها على وجهها عذاباً ليس بالأشد فلا مخالفة بين الحصرين واعتبر بعضهم في الصلى الأشدية لما ذكر واللزوم هنا لمقابلته بقوله تعالى وسيجنبها كذا قيل واستحسن جعل السين للتأكيد ليكون المعنى يجبنها الاتقى ولا بد فيفيد على القول بالمفهوم إن غيره وهو المؤمن العاصي لا يجنبها ولا بد على معنى أنه يجوز أن يجنبها وجيوز أن لا يجنبها بل يدخلها غير بها وقرر الزمخشري الاستشكال بأنه قد علم أن كل شقي بصلاها وكل تقي بجنيها لا يختص الصلى باشقى الأشقياء ولا التجنب والنجاة بأتقى الأتقياء وظاهر الجملتين ذلك وأجاب بما حاصله أن الحصر حيث كانت الآية واردة للموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين ادعائي مبالغة لا حقيقي كان غير هذا الأشقى غير صال وغير هذا الأتقى غير مجنب بالكلية واستحسنه في الكشف فقال هو معنى حسن وأنت تعلم أن مبني ما قاله على الاعتزال وتخليد العصاة في النار وقال القاضي إن قوله تعالى ‏{‏لا يصلاها‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 15‏]‏ لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر كما يقول المرجئة وذلك لأنه تعالى نكر النار فيها فالمراد أن ناراً من النيران لا يصلاها إلا من هذه حاله والنار دركات على ما علم من الآيات فمن أين عرف أن هذه النار لا يصلاها قوم آخرون وتعقبه الزمخشري بأنه ما يصنع عليه بقوله تعالى وسيجنبها الاتقى فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة لا الاتقي منهم خاصة وأجيب بأنه لعل هذها القائل لا يقول بمفهوم الصفة ونحوها فلا تفيد الآية المذكورة عنده الحصر ويكون تمييز هذا الاتقى عنده بمجموع التجنب وما سيذكر بعد ولعل كل من لا يقول بالمفهوم لا يشكل عليه الأمر إلا أمر الحصر في لإيصالها الخ فإنه كالنص في بادىء النظر فيما يدعيه المرجئة لحملهم الصلى فيه على مطلق الدخول وأيدوه بما أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«لا يدخل النار إلا من شقى قيل ومن الشقي قال الذي لا يعمل لله تعالى طاعة ولا يترك لله تعالى معصية» وهذا الخبر ونحوه من الأخبار مما يستندون إليه في تحقيق دعواهم وأهل السنة يؤولون ما صح من ذلك للنصوص الدالة على تعذيب بعض ممن ارتكب الكبيرة على ما بين في موضعه وقيل في الجواب أن المراد بالاشقى والاتقى الشقي والتقي وشاع أفعل في مثل ذلك ومنه قول طرفة‏.‏ تمنى رجال أن أموت فإن أمت *** فتلك سبيل لست فيها بأوحد

فإنه أراد بواحد واعترض بأنه لا يحسم مادة الإشكال إذ ذلك الشقي في الآية ليس إلا الكافر فيلزم الحصر أن لا يدخل النار أو لا يعذب بها غيره مع أنه خلاف المذهب الحق وأيضاً أن ذلك التقي فيها قد وصف بما وصف فعلى القول بالمفهوم يلزم أن لا يجنبها التقي الغير الموصوف بذلك كالتقي الذي لا مال له وكغير المكلفين من الأطفال والمجانين مع أن الحق أنهم يجنبونها وقيل غير ذلك ولعلك بعد الاطلاع عليه وتدقيق النظر في جميع ما قيل واستحضار ما عليه الجماعة في أهل الجمع نستحسن ان قلت بالمفهوم ما استحسنه صاحب الكشف مما مر عن الزمخشري وإن لم تكن ممن يقول بتخليد أهل الكبائر من المؤمنين فتأمل وجنب يتعدى إلى مفعولين فالضمير ههنا المفعول الثاني والاتقى المفعول الأول وهو النائب عن الفاعل ويقال جنب فلان خيراً وجنب شراً وإذا أطلق فقيل جنب فلان فمعناه على ما قال الراغب أبعد عن الخير وأصلب جنبته كما قيل جعلته على جانب منه وكثيراً ما يراد منه التبعيد ومنه ما هنا ولذا قلنا أي سيبعد عنها الاتقى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏الذى يُؤْتِى مَالَهُ‏}‏ أي يعطيه ويصرفه ‏{‏يتزكى‏}‏ طالباً أن يكون عند الله تعالى زاكياً نامياً لا يريد به رياء ولا سمعة أو متطهراً من الذنوب فالجملة نصب على الحال من ضمير يؤتي وجوز أن تكون بدلاً من الصلة فلا محل لها من الإعراب وجوز أيضاً أن يكون الفعل وحده بدلاً من الفعل السابق وحده واعترض كلا الوجهين بأن البدل من قسم التابع المعرف بكل ثان أعرب بإعراب سابقه ولا إعراب للصلة حتى يثبت لها نابع فيه وسبب الإعراب وهو الرفع في الفعل متوفر مع قطع النظر عن التبعية وهو على المشهور تجرده عن الناصب والجازم فليس معرباً بإعراب سابقه لظهور ذلك في كون إعرابه للتبعية وهو هنا ليس لها بل للتجرد وأجيب مع الإغماض عما في ذلك التعريف مما نبه على بعضه الرضى أما عن الأول فبان المراد أعرب بإعراب سابقه إن كان له إعراب أو بأن المراد أعرب بإعراب سابقه وجوداً وعدما وقيل إطلاق التابع على ذلك ونحوه من الحرف والفعل الغير المعرب مجاز من حيث انه مشابه للتابع لموافقته لسابقه فيما له وأما عن الثاني فبان الشيء قد يقصد لشيء وإن كان متحققاً قبل ذلك الشيء لأمر آخر كألف التثنية وواو الجمع فإنه يؤتي بهما للدلالة على التثنية والجمع فيتحققان ويأتي عامل الرفع على المثنى والمجموع وهما فيهما قبله فيقصدان له وقال السيد عيسى المراد بقولهم كل ثان أعرب الخ كل ثان أعرب لو لم يكن معرباً فتدبر ولا تغفل وجوز أن يكون يتزكى بتقدير لأن يتزكى متعلقاً بيؤتي علة له ثم حذفت اللام وحذفها من أن وأن شائع ثم حذفت أن فارتفع الفعل أو بقي منصوباً كما في قول طرفة‏:‏ ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي *** فقد روي برفع أحضر وبنصبه وقيل إنه بتقدير لأن أو عن أن أحضر فصنع فيه نحو ما سمعت وأيَّاً ما كان يدل الكلام على أن المراد بأيتائه صرفه في وجوه البر والخير وقرأ الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم يزكي بإدغام التاء في الزاي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى‏}‏ استئناف مقرر لما أفاده الكلام السابق من كون إيتائه للزكى خالصاً لله تعالى أي ليس لأحد عنده نعمة من شأنها أن تجزي وتكافأ فيقصد بإيتاء ما يؤتي مجازاتها ويعلم مما ذكر أن بناء تجزي للمفعول لأن القصد ليس لفاعل معين وقيل إن ذلك لكونه فاصلة وأصله يجزيه إياها أو يجزيها إياه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الاعلى‏}‏ منصوب على الاستثناء المنقطع من ‏{‏نعمة‏}‏ لأن الابتغاء لا يندرج فيها فالمعنى لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه سبحانه وطلب رضاه عز وجل لا لمكافأة نعمة وقرأ يحيى بن وثاب ابتغاء بالرفع على البدل من محل من نعمة فإنه الرفع إما على الفاعلية أو على الابتداء ومن مزيدة والرفع في مثل ذلك لغة تميم وعليها قوله‏:‏ وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس

وروي بالرفع والنصب على ما في البحر قول بشر بن أبي حازم‏.‏ أضحت خلاء قفاراً لا أنيس بها *** إلا الجآذر والظلمان تختلف

وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول له على المعنى لأن معنى الكلام لا يؤتي ماله لأجل شيء من الأشياء إلا لأجل طلب رضا ربه عز وجل لا لمكافاة نعمة فهو استثناء مفرغ من أعم العلل والأسباب وإنما أولا لأن الكلام أعني ‏{‏يؤتي ماله‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 18‏]‏ موجب والاستثناء المفرغ يختص بالنفي عند الجمهور لكنه لما عقب بقوله تعالى ‏{‏وما لأحد‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 19‏]‏ وقد قال سبحانه أولاً يتزكى متضمناً نفي الرياء والسمعة دل على المعنى المذكور وقرأ بن أبي عبلة إلا ابتغا مقصور وفيه احتمال النصب والرفع وهذه الآيات على ما سمعت نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه لما أنه كان يعتق رقاباً ضعافاً فقال له أبوه ما قال وأجابه هو بما أجاب وقد أوضحت ما أبهمه رضي الله تعالى عنه في قوله فيه إنما أريد ما أريد وفي رواية ابن جرير وابن عساكر أنه قال أي أبه إنما أريد ما عند الله تعالى وفي رواية عطاء والضحاك عن ابن عباس أنه رضي الله تعالى عنه اشترى بلالاً وكان رقيقاً لامية بن خلف يعذبه لإسلامه برطل من ذهب فأعتقه فقال المشركون ما أعتقه أبو بكر الأليد كانت له عنده فنزلت وهو رضي الله تعالى عنه أحد الذين عذبوا لإسلامهم فاشتراهم الصديق وأعتقهم فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أعتق سبعة كلهم يعذب في الله عز وجل بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وابنتها ودنيرة وأم عيسى وأمة بني المؤمنل وفيه نزلت ‏{‏وسيجنبها الاتقى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 17‏]‏ إلى آخر السورة واستدل بذلك الإمام علي أنه رضي الله تعالى عنه أفضل الأمة وذكر أن في الآيات ما يأبى قول الشيعة أنها في علي كرم الله تعالى وجهه وأطال الكلام في ذلك وأتى بما لا يخلو عن قيل وقال قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَلَسَوْفَ يَرْضَى ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَسَوْفَ يرضى‏}‏ جواب قسم مضمر أي وبالله ‏{‏لَسَوْفَ يرضى‏}‏ والضمير فيه للاتقى لمحدث عنه وهو وعد كريم بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه وأجملها إذ به يتحقق الرضا وجوز الإمام كون الضمير للرب تعالى حيث قال بعد أن فسر الجملة على رجوعه للأتقى وفيه عندي وجه آخر وهو أن المراد أن ما أنفق إلا لطلب رضوان الله تعالى ‏{‏وَلَسَوْفَ يرضى‏}‏ الله تعالى عنه وهذا عندي أعظم من الأول لأن رضا الله سبحانه عن عبده أكمل للعبد من رضاه عن ربه عز وجل وبالجملة فلا بد من حصول الأمرين كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 28‏]‏ انتهى والظاهر هو الأول وقد قرىء ‏{‏وَلَسَوْفَ يرضى‏}‏ بالبناء للمفعول من الإرضاء وما أشار إليه في معنى ‏{‏رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً‏}‏ غير متعين كما سمعت وفي هذه الجملة كلام يعلم مما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى‏.‏

‏[‏سورة الضحى‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏وَالضُّحَى ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏والضحى‏}‏ تقدم الكلام فيه والمراد به هنا وقت ارتفاع الشمس الذي يلي وقت بروزها للناظرين دون ضوئها وارتفاعها لأنه أنسب بما بعد وتخصيصه بالأقسام به لأنه شباب النهار وقوله فيه قوة غير قريبة من ضدها‏.‏ ولذا عد شرفاً يومياً للشمس وسعداً ولأنه على ما قالوا الساعة التي كلم الله تعالى فيها موسى عليه السلام وألقى فيه السحرة سجداً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 59‏]‏ ففيه مناسبة للمقسم عليه وهو أنه تعالى لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه الطافة تعالى وتكليمه سبحانه وقيل المراد به النهار كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 98‏]‏ واعترض بالفرق فإنه فوقع هناك في مقابلة البيات وهو مطلق الليل وهنا في مقابلة الليل مقيداً معنى باشتداد ظلمته فالمناسب أن يراد به وقت ارتفاعه وقوة إضاءته وأجيب بمنع دلالة القيد على الاشتداد وستسمع إن شاء الله تعالى ما في ذلك وأياً ما كان فالظاهر أن المراد الجنس أي وجنس الضحى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏واليل‏}‏ أي وجنس الليل ‏{‏إِذَا سجى‏}‏ أي سكن أهله على أنه من السجو وهو السكون مطلقاً كما قال غير واحد والإسناد مجازي أو هو على تقدير المضاف كما قيل ونحوه ما روى عن قتادة أي سكن أهله على أنه من السجو وهو السكون مطلقاً كما قال غير واحد والإسناد مجازي أو هو على تقدير المضاف كما قيل ونحوه ما روى عن قتادة أي سكن الناس والأصوات فيه وهذا يكون في الغالب فيما بين طرفيه أو بعد مضى برهة من أوله أو ركد ظلامه من سجا البحر سكنت أمواجه قال الأعشى‏:‏ وما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم *** وبحرك ساج لا يوارى الدعا مصا

فالسجو قيل على هذا في الأصل سكون الأمواج ثم عم والمراد بسكون ظلامه عدم تغيره بالاشتداد والتنزل أي فيما يحس ويظهر وذلك إذا كمل حساً بوصول الشمس إلى سمت القدم وقبيله وبعيده وصرح باعتبار الاشتداد ابن الأعرابي حيث قال سجا الليل اشتد ظلامه وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جبير أنه قال أي إذا أقبل فغطى كل شيء وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس تفسير سجا بأقبل بدون ذكر التغطية وأخرجاهما وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً أنه قال سجا إذا ذهب وكلا التفسيرين خلاف المشهور وشاعر ليل ساكن أوساج لما لا ريح فيه ووصفه بذلك أعني السكون قيل على الحقيقة كما إذا قيل ليل لا ريح فيه ولا يقال إن الساكن هو الريح بالحقيقة لأن السكون عليها حقيقة محال لأنه هواء متحرك ثم إنهم يقولونه لما لا ريح فيه لا لما سكن ريحه والتحقيق أن يقال إن السكون على تفسيريه أعني عدم الحركة عما من شأنه الحركة أو كونين في حيز واحد لا يصح على الليل لأنه زمان خاص لكن لما كان سكون الهواء بمنزلة عدم له في العرف العامي لعدم الإحساس أو لتضمنه عدم الريح لا الهواء قيل ليل ساج وساكن وصف الليل على الحقيقة أي لا إسناد فيه إلى غير ملائم على أنه يحتمل أن يجعل السكون بهذا المعنى حقيقة عرفية وجوز حمل ما في الآية على هذا الشائع ولعل التقييد بذلك لأن الليل الذي لا ريح فيه أبعد عن الغوائل وقد ذكر بعض الفقهاء أن الريح الشديدة ليلاً عذر من أعذار الجماعة ونقل عن قتادة ومقاتل أن المراد بالضحى هو الضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى عليه السلام وبالليل ليلة المعراج ومن الناس من فسر الضحى بوجهه صلى الله عليه وسلم والليل بشعره عليه الصلاة والسلام كما ذكر الإمام وقال لا استبعاد فيه وهو كما ترى ومثله ما قيل الضحى ذكور أهل بيته عليه الصلاة والسلام أناثهم وقال الإمام يحتمل أن يقال الضحى رسالته صلى الله عليه وسلم والليل زمان احتباس الوحي فيه لأن في حال النزول حصل الاستئناس وفي زمان الاحتباس حصل الاستيحاش أو الضحى نور علمه تعالى الذي يعرف المستور من الغيوب والليل عفوه تعالى الذي به يستر جميع العيوب أو الضحى إقبال الإسلام بعد أن كان غريباً والليل إشارة إلى أنه سيعود غريباً أو الضحى كمال العقل والليل حال الموت أو الضحى علانيته عليه الصلاة والسلام التي لا يرى الخلق عليها عيباً والليل سره صلى الله عليه وسلم لا يعلم عالم الغيب عليها عيباً انتهى ولا يخفى أنه ليس من التفسير في شيء وباب التأويل والإشارة يدخل فيه أكثر من ذلك وتقديم الضحى على الليل بناء على ما قلنا أولاً لرعاية شرفه لما فيه من ظهور زيادة النور وللنور شرف ذاتي على الظلمة لكونه وجودياً أو لكثرة منافعه أو لمناسبته لعالم الملائكة فإنها نورانية وتقديم الليل في السورة السابقة لما فيه من الظلمة التي هي لعدميتها أصل للنور الحادث بإزالتها لأسباب حادثة وقيل تقديمه هناك لأن السورة في أبي بكر وهو قد سبقه كفر وتقديم الضحى هنا لأن السورة في رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو صلى الله عليه وسلم لم يسبقه ذلك وتخصيصه تعالى الوقتين بالأقسام قيل ليشير سبحانه بحالهما إلى حال ما وقع له عليه الصلاة والسلام ويؤيد عز وجل نفي ما توهم فيه فكأنه تعالى يقول الزمان ساعة فساعة ساعة ليل وساعة نهار ثم تارة تزداد ساعات الليل وتنقص ساعات النهار وأخرى بالعكس فلا الزيادة لهوى ولا النقصان لقلى بل كل لحكمة وكذا أمر الوحي مرة إنزال وأخرى حبس فلا كان الانزال عن هوى ولا الحبس عن قلى بل كل لحكمة وقيل ليسلى عز وجل بحالهما حبيبه عليه الصلاة والسلام كأنه سبحانه يقول انظر إلى هذين المتجاورين لا يسلم أحدهما من الآخر بل الليل يغلب تارة والنهار أخرى فكيف تطمع أن تسلم من الخلق والقولان مبنيان على أن المراد بالضحى النهار كله وبالليل إذا سجى جميع الليل وتخصيص الضحى على ما سمعت ولا لما سمعت وتخصيص الليل بناء على أن المراد وقت اشتداد الظلمة قيل لأنه وقت خلو المحب بالمحبوب والأمن من كل واش ورقيب وقال الطيبي طيب الله تعالى ثراه في ذلك أنه تعالى أقسم له صلى الله عليه وسلم بوقتين فيهما صلاته عليه الصلاة والسلام التي جعلت قرة عينه وسبب مزبد قربه وأنسه أما الضحى فلما رواه الدارقطني في المجتبى عن ابن عباس مرفوعاً كتب على النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها وأما الليل فلقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نافلة لك‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 79‏]‏ إرغاماً لأعدائه وتكذباً لهم في زعم قلاه وجفائه فكأنه قيل وحق قربك لدينا وزلفاك عندنا إنا اصطفيناك ما هجرناك وقليناك فهو كقوله‏:‏ وثناياك انها اغريض *** وهو مما تستطيبه أهل الأذواق ويمكن أن يكون الأقسام بالليل على ما نقل عن قتادة من باب وثناياك أيضاً وكذا الأقسام بهما على بعض الأوجه المارة كما لا يخفى وعلى كون المراد بالضحى الوقت المعروف من النهار وبالليل جميعه قيل إن التفرقة للإشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل كما أن النبي عليه الصلاة والسلام يوازي جميع الأنبياء عليهم السلام وللإشارة لكون النهار وقت السرور والليل وقت الوحشة والغم إلى أن هموم الدنيا وغمومها أدوم من سرورها وقد روى أن الله تعالى لما خلق العرض أظلت عن يساره غمامه فنادت ماذا أمطر فأمرت أن تمطر الغموم والأحزان فامطرت مائة سنة ثم انكشفت فأمرت مرة أخرى بذلك وهكذا إلى إتمام ثلثمائة سنة ثم أظلت عن يمين العرش غمامة بيضاء فنادت ماذا أمطر فأمرت أن تمطر السرور اسعة فلذا ترى الغموم والأحزان أدوم من المسار في الدنيا والله تعالى أعلم بصحة الخبر وقيل غير ذلك وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏(‏3‏)‏‏}‏

َدَّعَكَ رَبُّكَ‏}‏ الخ جواب القسم وودع من التوديع وهو في الأصل من الدعة وهو أن تدعو للمسافر بأن يدفع الله تعالى عنه كآبة السفر وأن يبلغه الدعة وخفض العيش كما أن التسليم دعاء له بالسلامة ثم صار متعارفاً في تشييع المسافر وتركه ثم استعمل في الترك مطلقاً وفسر به هنا أي ما تركك ربك وفي البحر والكشاف التوديع مبالغة في الودع أي الترك لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك قيل وعليه يلزم أن يكون المنفي الترك المبالغ فيه دون أصل الترك مع أن الظاهر نفى ذلك فلا بد من أن يقال إنه إنما نفى ذلك لأنه الواقع في كلام المشركين الذي نزلت له الآية أو أن المبالغة تعود على النفي فيكون المراد المبالغة في النفي لا نفي المبالغة وقد ذكروا نظير هذين الوجهين في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وماربكَ بظلام لّلْعَبِيدِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 46‏]‏ فتدبر وقيل‏:‏ إن المعنى ما قطعك قطع المودع على أن التوديع مستعار استعارة تبعية للترك وفهي من اللطف والتعظيم ما لا يخفى فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته كما قال المتنبي‏:‏

حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا *** فلم أدر أي الظاعنين أشيع

وحقيقة التوديع المتعارف غير متصورة ههنا وتعقب بأنه على هذا لا يكون رداً لما قاله المشركون لأنهم لم يقولوا ودعه ربه على هذا المعنى كيف وهم بمعزل عن اعتقاد كونه عليه الصلاة والسلام بالمحل الذي هو صلى الله عليه وسلم فيه من ربه سبحانه وقيل في الجواب أنه يجوز أن يدل ودعه ربه على ذلك إلا أنهم قاتلهم الله تعالى قالوه على سبيل التهكم والسخرية وحين رد عليهم قصد ما يشعر به اللفظ على التحقيق وقيل إن الترك مطلق في كلامهم والظاهر من حال أنهم لم يريدوا الماهية من حيث هي ولا من حيث تحققها في ضمن ما لا يخل بشريف مقامه عليه الصلاة والسلام بل الماهية من حيث تحققها في ضمن ما يخل بذلك ولما كان المقصود إيناسه صلى الله عليه وسلم وإزالة وحشته عليه الصلاة والسلام جيء بما يتضمن نفي ما زعموه على أبلغ وجه كأنه قيل إن هذا النوع الغير المخل بمقامك من الترك لم يكن فضلاً عما زعموه من الترك المخل بعزيز مقامك وعندي أن الظاهر أن ذلك القول بأي معنى كان صادر على سبيل التهكم إذا كان المراد بالرب هو الله عز وجل وكان القائل من المشركين كما لا يخفى على المتأمل وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ما ودعك بالتخفيف وهي على ما قال ابن جني قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وخرجت على أن ودع مخفف ودع ومعناه معناه قال في «القاموس» ودعه كوضعه وودع بمعنى وقيل ليس بمخففة بل هو فعل برأسه بمعنى ترك وأنه يعكر على قول النحاة أماتت العرب ماضي يدع ويذر ومصدرهما واسم فاعلهما واسم مفعولهما واستغنوا بما ليترك من ذلك وفي المغرب أن النحاة زعموا أن العرب أماتت ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم أفصحهم وقد قال عليه الصلاة والسلام لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات وقرأ ما ودعك وقال أبو الأسود

‏:‏ ليت شعري عن خليلي ما الذي *** غاله في الحب حتى ودعه

ومثله قول آخر‏:‏ وثم ودعنا إل عمرو وعامر *** فرائس أطراف المثقفة السمر

وهو دليل أيضاً على استعمال ودع وهو بمعنى ترك المتعلق بمفعولين فلا تغفل وفي الحديث «اتركوا الترك ما تركوكم ودعوا الحبشة ما ودعوكم» وفي المستوفي أن كل ذلك قد ورد في كلام العرب ولا عبرة بكلام النحاة وإذا جاء نهر الله بطن نهر معقل نعم وروده نادر وقال الطيبي بعد أن ذكر ورود نظماً ونثراً إنما حسن هذه القراءة الموافقة بين الكلمتين يعني هذه وما بعدها كما في حديث الترك والحبشة لأن رد العجز على الصدر وصنعة الترصيع قد جبرا منه وقيل إن القائلين إنما قالوا ودعه ربه بالتخفيف فنزلت فيكون المحسن له قصد المشاكلة لما قالوه وهم تكلموا بغير المعروف طيرة منهم كان غير المعروف من اللفظ مما يتشاءم به من الفأل الرديء أو أنهم لما قصدوا السخرية حسن استعمال اللفظ وقد قالوا يحسن استعمال الألفاظ الغريبة ونحوها في الهجاء فلا يبعد أن يكون في السخرية كذلك والحق أنه بعد ثبوت وروده لا يحتاج إلى تكلف محسن له والظاهر أن المراد بالرب هو الله عز وجل وفي التعبير عنه بعنوان الربوبية وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من اللطف ما لا يخفى فكأنه قيل ما تركك المتكفل بمصلحتك والمبلغ لك على سبيل التدريج كمالك اللائق بك ‏{‏وَمَا قلى‏}‏ أي وما أبغضك وحذف المفعول لئلا يواجه عليه الصلاة والسلام بنسبة القلى وإن كانت في كلام منفي لطفاً به صلى الله عليه وسلم وشفقة عليه عليه الصلاة والسلام أو لنفي صدوره عنه عز وجل بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم ولأحد من أصحابه ومن أحبه صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة أو للاستغناء عنه بذكره من قبل مع أن فيه مراعاة للفواصل واللغة المشهورة في مضارع قلى يقلي كيرمي وطيىء تقول يقل بفتح العين كيرضى وتفير القلى بالبغض شائع وفي القاموس من الواوي قلا زيداً قلا وقلاه أبغضه ومن اليائي قلاه كرماه ورضيه قلى وقلاء ومقلية أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه أو قلاه في الهجر وقليه في البغض وفي مفرد ات الراغب القلي شدة البغض يقال قلاه يقلوه ويقليه فمن جعله من الواوي فهو من القلو أي الرمي من قولهم قلت الناقة براكبها قالوا وقلوت بالقلة فكان المقلو هو الذي يقذفه القلب من بغضه فلا يقبله ومن جعله من اليائي فمن قليت اليسر والسويق على المقلاة انتهى وبينهما مخالفة لا تخفى وعلى اعتبار شدة البغض فالظاهر أن ذلك في الآية ليس إلا لأنه الواقع في كلامهم قال المفسرون أبطأ جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون قد قلاه ربه وودعه فأنزل الله تعالى ذلك وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم قال لما نزلت

‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ‏}‏ ‏[‏المسد‏:‏ 1‏]‏ الخ قيل لامرأة أبي لهب أم جميل أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد هجاك فاتته عليه الصلاة والسلام وهو صلى الله عليه وسلم جالس في الملا فقالت يا محمد علام تهجوني قال إني والله ما هجوتك ما هجاك إلا الله تعالى فقالت هل رأيتني أحمل حطباً أو في جيدي حبلاً من مسد ثم انطلقت فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينزل عليه فاتته فقالت ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك فأنزل الله تعالى ذلك وأخرج الترمذي وصححه وابن أبي حاتم واللفظ له عن جندب البجلي قال رمى صلى الله عليه وسلم بحجر في أصبعه فقال‏:‏ ما أنت إلا اصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت

فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم فقالت له امرأة ما أرى شيظانك إلا قد تركك وفي رواية للترمذي أيضاً والإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وجماعة بلفظ اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فأنزل الله تعالى والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وليس فيه حديث المرأة ولا الحجر والرجز وذلك لا يطعن في صحته وقال جمع من المفسرين أن اليهود سألوه عليه الصلاة والسلام عن أصحاب الكهف وعن الروح وعن قصة ذي القرنين فقال عليه الصلاة والسلام سأخبركم غداً ولم يستثن فاحتبس عنه الوحي فقال المشركون ما قالوا فنزلت وقيل إن عثمان أهدى إليه صلى الله عليه وسلم عنقود عنب وقيل عذق تمر فجاء سائل فأعطاه ثم اشتراه عثمان بدرهم فقدمه إليه عليه الصلاة والسلام ثانياً ثم عاد السائل فاعطيه وهكذا ثلاث مرات فقال عليه الصلاة والسلام ملاطفاً لا غضبان أسائل أنت يا فلان أم تاجر فتأخر الوحي أياماً فاستوحش فنزلت ولعلهم أيضاً قالوا ما قالوا وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والطبراني وابن مردويه من حديث خوله وكانت تخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جروا دخل تحت سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات ولم نشعر به فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي فقال يا خولة ما حدث في بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام جبريل لا يأتيني فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يو خير منا اليوم فأخذ برده فلبسه وخرج فقلت في نفسي لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء ثقيل فلم أزل به حتى بدا لي الجر وميتا فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة فقال يا خولة دثريني فأنزل الله تعالى ‏{‏والضحى واليل‏}‏ إلى قوله بسحانه‏:‏ ‏{‏فترضى‏}‏ وهذه الرواية تدل على أن الانقطاع كان أربعة أيام وعن ابن جريج أنه كان اثني عشر يوماً وعن الكلبي خمسة عشر يوماً وقبل بضعة عشر يوما وعن ابن عباس خمسة وعشرين يوماً وعن السدي ومقاتل أربعين يوماً وأنت تعلم أن مثل ذلك مما يتفاوت العلم بمبدئه ولا يكاد يعلم على التحقيق إلا منه عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم وفي بعض الروايات ما يدل على أن قائل ذلك هو النبي عليه الصلاة والسلام فعن الحسن أنه قال أبطأ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لخديجة أن ربي ودعني وقلاني يشكو إليها فقالت كلا والذي بعثك بالحق ما ابتدأك الله تعالى بهذه الكرامة إلا وهو سبحانه يريد أن يتمها لك فنزلت واستشكل هذا بأنه لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يظن أن الله تعالى شأنه ودعه وقلاه وهل إلا نحو من العزل وعزل النبي عن النبوة غير جائز في حكمته عز وجل والنبي عليه الصلاة والسلام أعلم بذلك ويعلم صلى الله عليه وسلم أيضاً أن إبطاء الوحي وعكسه لا يخلو كل منهما عن مصلحة وحكمة وأجيب بأن مراده عليه الصلاة والسلام إن صح أن يجر بها ليعرف قدر علمها أو ليعرف الناس ذلك فقال ما قال صلى الله عليه وسلم بضرب من التأويل كان يكون قد قصد إن ربي ودعني وقلاني بزعم المشركين أو أن معاملته سبحانه إياي بإبطاء الوحي تشبه صورة معاملة المودع والقالي وأنت تعلم أن هذه الرواية شاذة لا يعول عليها ولا يلتفت إليها فلا ينبغي اتعاب الذهن بتأويلها ونحوها ما دل على أن قائل ذاك خديجة رضي الله تعالى عنها أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة قال ابطأ جبريل عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم فجزع جزعاً شديداً فقالت خدجية أرى ربك قد قلاك مما أرى من جزعك فنزلت ‏{‏والضحى واليل‏}‏ إلى آخرها والقول بأنها رضي الله تعالى عنها أرادت أن هذا الجزع لا ينبغي أن يكون إلا من قلى ربك إياك وحاشى أي يقلاك فما هذا الجزع بعيد غاية البعد والمعول ما عليه الجمهور وصحت به الأخبار أن القائل هم المشركون وأنه عليه الصلاة والسلام إنما أحزنه بمقتضى الطبيعة البشرية تعبيرهم وعدم رؤية جبريل عليه السلام مع مزيد حبه إياه وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام

«‏(‏ ما جئتني حتى اشتقت إليك فقال جبريل عليه السلام كنت أنت إليك أشوق ولكني عبد مأمور وتلا وما نتنزل إلا بأمر ربك» وفي رواية أنه عاتبه عليهما الصلاة والسلام «فقال أما علمت أنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة» وراوي هذا يروي أن السبب في إبطاء الوحي وجود جرو في بيته عليه الصلاة والسلام والروايات في ذلك مختلفة وجوز بعضهم أن يكون الإبطاء لتجمع الأسباب ثم أن قد زعم بعض بناء على بعض الروايات السابقة جواز أن يكون المراد بربك في ما وعدك ربك دون ما بعد صاحبك والمراد به جبريل عليه السلام وهو كما ترى وحيث تضمن ماسبق من نفي التوديع والقلي أنه عز وجل لا يزال يواصله عليه الصلاة والسلام بالوحي والكرامة في الدنيا بشر صلى الله عليه وسلم بأن ما سيؤتاه في الآخرة أجل وأعظم من ذلك فقيل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَلاْخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاولى‏}‏ لما أنها باقية صافية عن الشوائب على الإطلاق وهذه فانية مشوبة بالمضار وما أوتي عليه الصلاة والسلام من شرف النبوة وإن كان مما لا يعادله شرف ولا يدانيه فضل لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض القادحة في تمشية الأحكام مع أنه عندما أعد له عليه الصلاة والسلام في الآخرة من السبق والتقدم على كافة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يوم الجمع يوم يوم النار لرب العالمين وكون أمته صلى الله عليه وسلم شهداء على سائر الأمم ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارات وتقصر دونها الإشارات بمنزلة بعض المبادي بالنسبة إلى المطالب كذا في الأرشاد والاختصاص الذي تقتضيه اللام قيل إضافي على معنى اختصاصه عليه الصلاة والسلام بخيرية الآخرة دون من آذاه وشمت بتأخير الوحي عنه صلى الله عليه وسلم ولا مانع من عمومه لجميع الفائزين كيف وقد علم بالضرورة أن الخير المعد له عليه الصلاة والسلام خير من المعد لغيره على الإطلاق ويكفي في ذلك اختصاص المقام المحمود به صلى الله عليه وسلم على أن اختصاص اللام ليس قصرياً كما قرر في موضعه وحمل الآخرة على الدار الآخرة المقابلة للدنيا والأولى على الدار الأولى وهي الدنيا هو الظاهر المروى عن أبي إسحق وغيره وقال ابن عطية وجماعة يحتمل أن يراد بهما نهاية أمره صلى الله عليه وسلم وبدايته فاللام فيهما للعهد أو عوض عن المضاف إليه أي لنهاية أمرك خير من بدايته لا تزال تتزايد قوة وتتصاعد رفعة وفي بعض الأخبار المرفوعة ما هو أظهر في الأول أخرج الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ عرض على ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني فأنزل الله تعالى وللآخرة خير لك من الأولى ‏"‏ ثم أن ربط الآية بما قبلها على الوجه الذي سمعت هو ما اختاره غير واحد من الأجلة وجوز أن يقال فيه أنه لما نزل ‏{‏ما ودعك ربك وما قلى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 3‏]‏ حصل له عليه الصلاة والسلام به تشريف عظيم فكأنه صلى الله عليه وسلم استعظم ذلك فقيل له وللآخرة خير لك من الأولى على معنى أن هذا التشريف وإن كان عظيماً إلا أن مالك عند الله تعالى في الآخرة خير وأعظم وجوز أيضاً أن يكون المعنى إنقطاع الوحي لا يجوز أن يكون لما يتوهمون لأنه عزل عن النبوة وهو مستحيل في الحكمة بل أقصى ما في الباب أن يكون ذلك لأنه حصل الاستغناء عن السالة وذلك إمارة الموت فكأنه تعالى قال انقطاع الوحي متى حصل دل على الموت لكن الموت خير لك فإن مالك عند الله تعالى في الآخرة أفضل مما لك الدنيا وهذا كما ترى دون ما قبله بكثير والمتبادر مما قرروه أن الجملة مستأنفة واللام فيها ابتدائية وقد صرح جمع بأنها كذلك في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏ وقالوا فائدتها تأكيد مضمون لجملة وبعدها مبتدأ محذوف أي ولانت سوف يعطيك الخ وأورد عليه أن التأكيد يقتضي الاعتناء والحذف ينافيه ولذا قال ابن الحاجب أن المبتدأ المؤكد باللام لا يحذف وأن اللام مع المبتدأ كقد مع الفعل وإن مع الاسم فكما لا يحذف الفعل والاسم ويبقيان بعد حذفهما كذلك لا يحذف المبتدأ وتبقى اللام وأنه يلزم التقدير والأصل عدمه وأن اللام لتخلص المضارع الذي في حيزها للحال كتأكيد مضمون الجملة وهو هنا مقرون بحرف التنفيس والتأخير فيلزم التنافي ورد بأن المؤكد الجملة لا المبتدا وحده حتى ينافي تأكيده حذفه وكلام ابن الحاجب ليس حجة على الفارسي وأمثاله وأن يحذف معها الاسم كثيراً كما ذكره النحاة وكذا قد يحذف بعدها الفعل كقوله‏:‏

أزف الترحل غير أن ركابنا *** لما تزل برحالنا وكان قد

مع أنه لو سلم فقد يفرق كما قال الطيبي بين أن وقد وهذه اللام بأنهما يؤثران في المدخول عليه مع التأكيد بخلاف هذه اللام فإن مقتضاه أن تؤكد مضمون الجملة لا غير وهو باقي وإن حذف المبتدا فالقياس قياس مع الفارق والنحويون يقدرون كثيراً في الكلام كما قدروا المبتدا في نحو قمت واصك عينه وهو لأجل الصناعة دون المعنى كما فيما نحن فيه واللام المؤكدة لا نسلم أنها لتلخيص المضارع للحال أيضاً بل هي لمطلق التأكيد فقط ويفهم معهالحال بالقرينة لأنه أنسب بالتأكيد على تسليم أنها لتخليصه للحال أيضاً يجوز أن يقال إنها تجردت للتأكيد هنا بقرينة ذكر سوق بعدها والمراد تأكيد المؤخر أعني الإعطاء لا تأكيد التأخير فالمعنى أن الإعطاء كائن لا محالة وإن تأخر لحكمة وعلى تسليم أنها للأمرين ولا تجرد يجوز أن يقال نزل المستقبل أعني الإعطاء الذي يعقبه الرضا لتحقق وقوعه منزلة الواقع الحالي نظير ما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 124‏]‏ وقيل يحسن هذا جداً فيما نحن فيه على القول بأن الإعطاء قد شرع فيه عند نزول الآية بناء على أحد أوجهها الآتية بعد أن شاء الله تعالى وذهب بعضهم بأن اللام الأولى للقسم وكذا هذه اللام وبقسميتها جزم غير واحد فالواو عليه للعطف فكلا الوعدين داخل في المقسم عليه ويكون الله تعالى قد أقسم على أربعة أشياء اثنان منفيان واثنان مثبتان وهو حسن في نظري واعترض بأن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة فلو كان للقسم لقيل لسوف يعطيك ربك ولا يخفى أن هذا أحد مذهبين للنحاة والآخر أن يستثنى ما قرن بحرف تنفيس كما هنا ففي «المغنى» أنه تجب اللام وتمتنع النون فيه كقوله

‏:‏ فوربي لسوف يجزى الذي *** أسلف المرء سيئاً أو جميلاً

وكذا مع فصل معمول الفعل بين اللام والفعل نحو ‏{‏ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 158‏]‏ ومع كون الفعل للحال نحو لاقسم وقد يمتنعان وذلك مع الفعل المنفي نحو ‏{‏تالله تفتؤ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 85‏]‏ وقد يجبان وذلك فيما بقي نحو ‏{‏تالله لأكيدن أصنامكم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 57‏]‏ وعليه لا يتجه الاعتراض مع أن الممنوع بدون النون في جواب القسم لا في المعطوف عليه كما هنا فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وإنما ذكرت اللام تأكيداً للقسم وتذكيراً به وبالجملة هذا الوجه أقل دغدغة من الوجه السابق ولا يحتاج فيه إلى توجيه جمع اللام مع سوف إذ لم يقل أحد من علماء العربية بأن اللام القسمية مخلصة المضارع للحال كما لا يخفى على من تتبع كتبهم وظاهر كلام الفاضل الكلنبوي أن كلا من اللامين موضوع للدلالة على الحال ووجه الجمع على تقدير كونها في الآية قسمية بأنها محمولة على معناها الحقيقي وسوف محمولة على تأكيد الحكم ولذا قامت مقام إحدى النونين عند أبي على الفارسي وقد أطال رحمه الله تعالى الكلام فيما يتعلق بهذا المقام وأتى على غزارة فضله بما يستبعد صدوره من مقله وقال عصام الدين الأظهر أن جملة ‏{‏ما ودعك‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 3‏]‏ حالية أي ما ودعك ربك وما قلاك والحال أن الآخرة خير لك من الأولى وأنت تختارها عليها ومن حاله كذلك لا يتركه ربه ففيه إرشاد للمؤمنين إلى ما هو ملاك قرب العبد إلى الرب عز وجل وتوبيخ للمشركين بما هم فيه من التزام أمر الدنيا والإعراض عن الآخرة وحينئذ معنى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ‏}‏ أنه سوف يعطيك الآخرة ولا يخفى حينئذ كمال اشتباك الجمل انتهى وفيه أن دخول اللام عليها مع دخوله على الجملة بعدها وسبقهما بالقسم يبعد الحالية جداً وأيضاً المعنى ذكره على تقديرها غير ظاهر من الآية وكان الظاهر عليه عندك بدل لك كما لا يخفى عليك واختلف في قوله تعالى ولسوف الخ فقيل هو عدة كريمة شاملة لما أعطاه الله عز وجل في الدنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين وظهور الأمر وإعلاء الدين بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم وفي أيام خلفائه عليه الصلاة والسلام وغيرهم من الملوك الإسلامية وفشو الدعوة والإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ولما ادخر جل وعلا له عليه الصلاة والسلام في الآخرة من الكرامات التي لا يعلمها إلا هو جل جلاله وعم نواله وقيل عدة بما أعطاه سبحانه وتعالى في الدنيا من فتح مكة وغيره والجمهور على أنه عدة أخروية فأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال هي الشفاعة وروى نحوه عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» من طريق حرب بن شريح قال قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين على جدهم وعليهم الصلاة والسلام أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق أحق هي قال أي والله حدثني محمد بن الحنفية عن علي كرم الله تعالى وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

‏"‏ اشفع لأمتي حتى ينادي ربي ارضيت يا محمد فأقول نعم يا رب رضيت ‏"‏ ثم اقبل علي فقال إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله تعالى ‏{‏يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جميعاً‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 53‏]‏ قلت إنا لنقول ذلك قال فكلنا أهل البيت نقول إن أرجى آية في كتاب الله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى وقال هي الشفاعة وقيل هي أعم من الشفاعة وغيرها ويرشد إليه ما أخرجه العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من جلد الإبل فلما نظر إليها قال يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة غداً فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏ وقال أبو حيان الأولى العموم لما في الدنيا والآخرة على اختلاف أنواعه والخبر المذكور لو سلم صحته لا يأبى ذلك نعم عطايا الآخرة أعظم من عطايا الدنيا بكثير فقد روى الحاكم وصححه وجماعة عن ابن عباس أنه قال أعطاه الله تعالى في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم وأخرج ابن جرير عنه أنه قال في الآية من رضا محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار وأخرج البيهقي في «شعب الايمان» عنه أنه قال رضاه صلى الله عليه وسلم أن يدخل أمته كلهم الجنة وفي رواية الخطيب في تلخيص المتشابه من وجه آخر عنه لا يرضى محمد صلى الله عليه وسلم وأحد من أمته النار وهذا ما تقتضيه شفقته العظيمة عليه الصلاة والسلام على أمته فقد كان صلى الله عليه وسلم حريصاً عليهم رؤوفاً بهم مهتماً بأمرهم وقد أخرج مسلم كما في «الدر المنثور» عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم عليه السلام ‏{‏فمن تبعني فإنه مني‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 36‏]‏ وقوله تعالى في عيسى‏:‏ ‏{‏إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 118‏]‏ الآية فرفع عليه الصلاة والسلام يديه وقال ‏"‏ اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقل له أنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ‏"‏ وفي إعادة اسم الرب مع إضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى أيضاً من اللطف به صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى‏:‏